العيني

59

عمدة القاري

ابن كنانة وأبو حنيفة ، وقال سحنون : ويحج بثمنه ، وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه ، وفي ( المزينة ) كان مالك يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغارم ، ويكره بيعه ابتداء ، قال يحيى بن إبراهيم : قوله : في الميراث ، يعني : لليتيم ، وأما لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلاَّ في الدين والمغارم ، وقال أشهب في ( ديوانه ) عن مالك : يفسخ بيع الكلب إلاَّ أن يطول . وحكى ابن عبد الحكم : أنه يفسخ وإن طال . وقال ابن حزم في ( المحلى ) : ولا يحل بيع كلب أصلاً لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرهما ، فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه ، وهو حلال للمشتري حرام على البائع ، ينتزع منه الثمن متى قدر عليه كالرشوة في دفع الظلم وفداء الأسير ومصانعة الظالم ولا فرق . ثم إن الشافعية قالوا : من قتل كلب صيد أو زرع وماشية لا يلزمه قيمته . قال الشافعي : ما لا ثمن له لا قيمة له إذا قتل ، وبه قال أحمد ومن نحى إلى مذهبهما ، وعن مالك روايتان ، واحتجوا بما روي في هذا الباب بالأحاديث التي فيها منع بيع الكلب وحرمة ثمنه . وخالفهم في ذلك جماعة ، وهم : عطاء ابن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وابن كنانة وسحنون من المالكية ، ومالك في رواية ، فقالوا : الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها ويباح أثمانها ، وعن أبي حنيفة : أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه . وفي ( البدائع ) : وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب والفهد والأسد والنمر والذئب والهر ونحوها فجائز عند أصحابنا ، ثم عندنا لا فرق بين المعلم وغير المعلم في رواية الأصل : فيجوز بيعه كيف ما كان ، وروى عن أبي يوسف أنه : لا يجوز بيع الكلب العقور ، كما روى عن أبي حنيفة فيه ، ثم على أصلهم يجب قيمته على قاتله ، واحتجوا بما روي عن عثمان ابن عفان ، رضي الله تعالى عنه ، أنه أغرم رجلاً ثمن كلب قتله عشرين بعيرا ، وبما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما ، وقضى في كلب ماشية بكبش . وقال المخالفون لهم : أثر عثمان منقطع وضعيف . قال البيهقي : ثم الثابت عن عثمان بخلافه ، فإنه خطب فأمر بقتل الكلاب . قال الشافعي : فكيف يأمر بقتل ما يغرم من قتله قيمته ؟ وأثر عبد الله بن عمرو له طريقان : أحدهما منقطع ، والآخر فيه من ليس بمعروف ولا يتابع عليهما ، كما قاله البخاري ، وقد روى عبد الله بن عمرو النهي عن ثمن الكلب ، فلو ثبت عنه القضاء بقيمته لكانت العبرة بروايته لا بقضائه على الصحيح عند الأصوليين . انتهى . قلت : الجواب عن هذا كله : أما قول البيهقي : ثم الثابت عن عثمان بخلافه ، فإنه حكى عن الشافعي أنه قال : أخبرني الثقة عن يونس عن الحسن : سمعت عثمان يخطب وهو يأمر بقتل الكلاب ، فلا يُكتفى بقوله : أخبرني الثقة ، فقد يكون مجروحا عند غيره ، لا سيما والشافعي كثيرا ما يعني بذلك ابن أبي يحيى أو الزنجي ، وهما ضعيفان . وكيف يأمر عثمان بقتل الكلاب وآخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن قتلها إلاَّ الأسود منها ؟ فإن صح أمره بقتلها فإنما كان ذلك في وقت لمفسدة طرأت في زمانه . قال صاحب ( التمهيد ) : ظهر بالمدينة اللعب بالحمام والمهارشة بين الكلاب ، فأمر عمر وعثمان ، رضي الله تعالى عنهما ، بقتل الكلاب وذبح الحمام . قال الحسن : سمعت عثمان غير مرة يقول في خطبته : اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام ، فظهر من هذا أنه لا يلزم من الأمر بقتلها في وقت لمصلحة أن لا يضمن قاتلها في وقت آخر ، كما أمر بذبح الحمام ، وأما قول البيهقي : أثر عثمان منقطع ، وقد روي من وجه آخر منقطع عن يحيى الأنصاري عن عثمان ، فنقول : مذهب الشافعي أن المرسل إذا روي مرسلاً من وجه آخر صار حجة وتأيد أيضا بما رواه البيهقي بعدُ عن عبد الله بن عمرو ، وإن كان منقطعا أيضا . وأما قوله : والآخر فيه من ليس بمعروف فلا يتابع عليه كما قاله البخاري فهو إسماعيل بن خشاش الراوي عن عبد الله بن عمر ، وقد ذكر ابن حبان في ( الثقات ) : وكيف يقول : البخاري لم يتابع عليه ؟ وقد أخرجه البيهقي فيما بعد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو ، وذكر ابن عدي في ( الكامل ) كلام البخاري ، ثم قال : لم أجد لما قاله البخاري فيه أثرا فأذكره ، وأما قوله : فالعبرة لروايته لا بقضائه ، غير مسلم ، لأن هذا الذي قاله يؤدي إلى مخالفة الصحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه ، ولا نظن ذلك في حق الصحابي ، بل العبرة لقضائه ، لأنه لم يقض بخلاف ما رواه إلاَّ بعد أن ثبت عنده انتساخ ما رواه . وهكذا أجاب الطحاوي عن الأحاديث التي فيها النهي عن ثمن الكلب وأنه سحت ، فقال : إن هذا إنما كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل ولا يحل إمساك شيء منها ولا الانتفاع بها ، ولا شك أن